السيد كمال الحيدري

365

دروس في التوحيد

مثال آخر : إذا وضعت ناراً أمام المرآة فستبدو الصورة المرآتية وكأنّها جامعة لكلّ الخصائص الموجودة للنار الحقيقيّة ، لكن من دون أن يكون هناك شيء بداخل المرآة ، بل هي تعكس النار الخارجية وحسب ، لا أنّ في داخل المرآة ناراً أخرى أيضاً . هذا هو في الحقيقة الفارق بين السراب كَسَرَاب بِقِيعَة يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً ( النور : 39 ) وبين الآية . فإنّ السراب خيال ووهم لا واقع له ، بعكس الآية فإنّها حقيقة ، لكن لا في نفسها ، وإنّما هي تعكس حقيقة أخرى ثابتة لله سبحانه ، فالسراب كاذب لكن الآية صادقة في كلّ ما تحكيه عن خصائص ذي الآية . وهذا هو معنى الآية والتجلّي بحسب الاستعمال القرآني : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ ( فصّلت : 53 ) أو قوله تعالى : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً ( الأعراف : 143 ) . في الحوار الذي دار في البلاط العباسي بين عمران الصابئي والإمام الرضا ( عليه السلام ) « 1 » ، حينما سأله عمران الصابئي : ألا تخبرني يا سيّدي أهو ( الله ) في الخلق أم الخلق فيه ؟ قال الرضا ( عليه السلام ) : " جلَّ يا عمران عن ذلك ، ليس هو في الخلق ولا الخلق فيه ، تعالى عن ذلك ، وسأعلّمك ما تعرفه به ، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله . أخبرني عن المرآة أنت فيها أم هي فيك ؟ ! فإن كان ليس واحد منكما في صاحبه فبأيّ شيء استدللت بها على نفسك ؟ قال عمران : بضوء بيني وبينها . فقال الرضا ( عليه السلام ) : هل ترى من ذلك الضوء في المرآة أكثر ممّا تراه في عينيك ؟ قال : نعم . قال الرضا ( عليه السلام ) : فأرناه . فلم يحر جواباً . قال الرضا ( عليه السلام ) : فلا أرى النور إلّا وقد دلّك ودلّ المرآة على أنفسكما من غير أن يكون في واحد منكما . ولهذا أمثال كثيرة غير

--> ( 1 ) ينظر الحوار بأكمله وما دار فيه ، التوحيد : ص 417 - 441 ، باب 65 ، ذكر مجلس الرضا علي بن موسى مع أهل الأديان وأصحاب المقالات .